ابن كثير
255
البداية والنهاية
هذه البقعة جامعا بقدر جامع تنكز ، فاشتوروا هنالك ، ثم انفصل الحال على أن يعمل ، والله ولي التوفيق . وفي يوم الخميس ثالث ذي القعدة صلي على الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن تيمية ، أخو الشيخ تقي الدين رحمهما الله . وفي يوم السبت ثاني عشره توفي الشيخ علي القطناني بقطنا ، وكان قد اشتهر أمره في هذه السنين ، واتبعه جماعة من الفلاحين والشباب المنتمين إلى طريقة أحمد ابن الرفاعي ، وعظم أمره وسار ذكره ، وقصده الأكابر للزيارة مرات ، وكان يقيم السماعات على عادة أمثاله ، وله أصحاب يظهرون إشارة باطلة ، وأحوالا مفتعلة ، وهذا مما كان ينقم عليه بسببه ، فإنه إن لم يكن يعلم بحالهم فجاهل ، وإن كن يقرهم على ذلك فهو مثلهم ، والله سبحانه وتعالى أعلم . وفي أواخر هذا الشهر - أعني ذي الحجة من العيد وما بعده - اهتم ملك الأمراء في بناء الجامع الذي بناه تحت القلعة وكان تل المستقين ، وهدم ما كان هناك من أبنية ، وعملت العجل وأخذت أحجار كثيرة من أرجاء البلد ، وأكثر ما أخذت الأحجار من الرحبة التي للمصريين ، من تحت المأذنة التي في رأس عقبة الكتاب ، وتيسر منها أحجار كثيرة ، والأحجار أيضا من جبل قاسيون وحمل على الجمال وغيرها ، وكان سلخ هذه السنة - أعني سنة سبع وأربعين وسبعمائة - قد بلغت غرارة القمح إلى مائتين ( 1 ) فما دونها ، وربما بيعت بأكثر من ذلك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وسبعمائة استهلت هذه السنة وسلطان البلاد المصرية والشامية والحرمين وغير ذلك الملك المظفر أمير حاجي بن الملك الناصر محمد بن قلاوون ، ونائبه بالديار المصرية الأمير سيف الدين أرقطيه ، وقضاة مصر هم الذين كانوا في الماضية بأعيانهم ، ونائبه بالشام المحروسة سيف الدين يلبغا الناصري ، وقضاة الشام هم المذكورون في التي قبلها بأعيانهم ، غير أن القاضي عماد الدين الحنفي نزل لولده قاضي القضاة نجم الدين ، فباشر في حياة أبيه ، وحاجب الحجاب فخر الدين إياس . واستهلت هذه السنة ونائب السلطنة في همة عالية في عمارة الجامع الذي قد شرع في بنائه غربي سوق الخيل ، بالمكان الذي كان يعرف بالتل المستقين . وفي ثالث المحرم توفي قاضي القضاة شرف الدين محمد بن أبي بكر الهمداني المالكي ، وصلي
--> ( 1 ) في السلوك 2 / 1 72 : بيع القمح كل غرارة بمائة وسبعين ، وبيع الخبز كل رطلين بدرهم ، من تأخر المطر بعامة بلاد الشام .